محمد حسين الذهبي
217
التفسير والمفسرون
احتكامه إلى المعروف من كلام العرب : وثمة أمر آخر سلكه ابن جرير في كتابه ، ذلك أنه اعتبر الاستعمالات اللغوية بجانب النقول المأثورة وجعلها مرجعا موثوقا به عند تفسيره للعبارات المشكوك فيها ، وترجيح بعض الأقوال على بعض . فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 40 ) من سورة هود « حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ . . . الآية » نراه يعرض لذكر الروايات عن السلف في معنى لفظ التنور ، فيروى لنا قول من قال : إن التنور عبارة عن وجه الأرض ، وقول من قال : إنه عبارة عن تنوير الصبح ، وقول من قال إنه عبارة عن أعلى الأرض وأشرفها ، وقول من قال : إنه عبارة عما يختبز فيه . . . ثم يقول بعد أن يفرغ من هذا كله « وأولى هذه الأقوال عندنا بتأويل قوله ( التنور ) قول من قال : التنور : الذي يختبز فيه ، لأن ذلك هو المعروف من كلام العرب ، وكلام اللّه لا يوجه إلا إلى الأغلب الأشهر من معانيه عند العرب ، إلا أن تقوم حجة على شئ منه بخلاف ذلك فيسلم لها ، وذلك أنه جل ثناؤه إنما خاطبهم بما خاطبهم به لإفهامهم معنى ما خاطبهم به . . . » ا ه « 1 » رجوعه إلى الشعر القديم : كذلك نجد ابن جرير يرجع إلى شواهد من الشعر القديم بشكل واسع ، متبعا في هذا ما أثاره ابن عباس في ذلك ، فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى في الآية ( 22 ) من سورة البقرة « . . . فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً . . » يقول ما نصه قال أبو جعفر . والأنداد جمع ند ، والند : العدل والمثل ، كما قال حسان ابن ثابت :
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 12 ص 25